الرئيسية » الإغاثة النفسية » أمراض نفسية » الطب النفسي اللبناني يفقد عقله

الطب النفسي اللبناني يفقد عقله

في العدد الجديد من المنشور، الذي شاركت كل من “صوت النسوة” ومشروع “الألف” في إصداره حول “النسوية والطب النفسي”، مقالةً تحمل عنوان “العاملات الأجنبيات في المصحات النفسية في لبنان: مرض نفسي او تشخيص عنصري؟”، وفيها، نقرأ قصة مارتا، التي قرر صاحب مكتب استقدامها التخلص منها، فدفع مبلغاً من المال لأحد الأطباء لكي يسوغ احتجازها في دار العجزة، قسم الأمراض النفسية والعصبية.

هذه هي قصة مارتا باختصار، القصة التي يتكرر وقوعها مع الكثيرات غيرها، والتي تبين، على ما تشدد المقالة اياها، وتصيب، أن ثمة تواطؤ بين قطاع الطب النفسي وقطاع الاستعباد الحديث في لبنان. ذلك، أن الثاني، وحين يريد حجب ضحاياه، وحين يريد التستر على قمعه لهن، يستعين بالأول، الذي يسرع الى رصدهن على أساس مدونته المنقطعة عن أوضاع استغلالهن البائنة، جاعلاً من مؤسسته العلاجية، أي المشفى، مكاناً لاعتقالهن. على هذا النحو، وبفعل التواطؤ بين القطاعين، يصير الطب النفسي جهازاً مهمته التبرير “العلمي” لسجن العاملات بغاية إخفائهن عن الأنظار.

لكن، المقالة، وعلى أحد مقالب سردها، تنقل حادثة المشاحنة بين الطبيب الذي قرر اعتقال مارتا، أو بالأحرى إزالة أثرها، وطبيب آخر يعترض على الجريمة المعرفية التي يرتكبها زميله: “وقد كان الطبيب الموجود، وهو الأصغر سنا، مستاءً جداً من الطبيب الذي أدخلها (مارتا) قسما لا يمت لها بصلة، فأسكته الطبيب الأكبر سناً، وطلب منه عدم التدخل في “ما لا يعنيهط، وأن يركز على عمله وحسب. عمله وحسب؟”. فهناك طبيب سعى، ولو كان مسعاه لفظياً فقط، الى توقيف ما يقترفه زميله “العتيق”، وبالتالي، صاحب الرتبة الأعلى في الهرمية الوظيفية، سعى الى ذلك، وفعله هذا هو ضرب من المقاومة، التي، وعندما ترفض الجريمة المعرفية بحق مارتا، تبدو كأنها تفك التواطؤ بين قطاع الطب النفسي وقطاع الاستعباد الحديث، الذي يمتد من العائلة الى مكتب الاستقدام، والعكس أيضاً.

تفتح الإشارة الى هذا الطبيب المقاوم حديثاً في قطاع الطب النفسي، فبالإنطلاق منها، يظهر أنه قطاع محكوم بانتظام سلطوي، يحرسه عدد من الأطباء، الذين يسهرون على حسن انضمامه الى منظومات التهميش والاقصاء، اذ يرغبون في جعله على قوتها، وعلى سيطرتها، ولذلك، لا يجدون مناصاً من خدمتها، وتسويغ ممارساتها. الا أنهم لا يستطيعون الإقدام على ذلك بلا الحفاظ على أمر معين، وهو الانفصال التام بين معرفتهم، التي يحصلونها مؤسساتياً، من صفوف الأكاديميا الى اختبارات المشفى، والدائر والمتبدل والواقع خارجها في فضاءات المجتمع المتنوعة، فمن المعلوم أن العبارة النقدية الاساسية التي يوجهها النازلون في عيادات ومشافي الطب النفسي هي: “لا يدرك الأطباء ماذا يجري مع الناس، لا يسألون، يكتفون بمدنا بعقاقير الأجوبة المسبقة”.

فلكي يحسم الطبيب في كون مارتا “مجنونة”، لا بد أنه على يقين من معرفته، وهذه أول إساءة الى هذه المعرفة، التي سرعان ما تضحى متحجرة، أما، الاساءة الثانية، التي تجعل من تلك المعرفة وسيلة قمع، شبيهة بأي سلاح، فهي حماية يقينها من خلال الاعتقاد بـ”أنا السيد وبمقدوري أن أحول أي كان، لا يلتزم بنظامي، الى مجنون”. على أن نظام هذا الطبيب هو نظام الحرب، ونظام القمع، الذي يطمح الى أن يكون سلطة من سلطاته، ولتحقيق طموحه هذا، لا بد أن يدفع الثمن مما تبقى من تعقله المعرفي: يقبض الرشوى فيدفع العقلانية، ويصير بدونها.

وأن يغدو قطاع الطب النفسي بلا نفسه، ويغدو متماهياً مع أي سلطة من سلطات النظام الإخضاعي، فهذا يستحق التعليق، اذ يبدو، والكلام، هنا، مقتضب للغاية، أنه يتعرض لضغط شديد، يحمله على الاختيار بين: إما، ان يكون جهازاً، يسوغ الممارسات الاخضاعية بحق المختلفين، العاملات الأجنبيات وغيرهن، فيخدم، على سبيل المثال لا الحصر، مكتب الاستقدام، الذي أظهره فيلم ماهر ابي سمرا، “مخدومين”، بحجم دولة، أو يكون جهازاً يخدم البرمجة الإعلامية، التي تتسم بمناحي اخضاعية أيضاً، والتي يبغي أن تبتلعه، فيضيف عليها مقولاته كأنها أوامر تندمج في أوامرها. فالقناة التلفزيونية ذاتها التي تسمم جمهورها على مدار الساعة، تأتي بالأطباء لكي تحث جمهورها اياه على عدم تعاطي أي شيء غيرها: خذ الهواء واخفي سيطرتي على المشاهدين. وهكذا، بين خدمة الدولة، وخدمة الميديا، يعلق الطب النفسي، ويفقد عقله، ليصير مسلطاً على مارتا، بدل أن يكون الى جانبها.

فأيها الأطباء المعترضون على الجريمة المعرفية، لا تكتفوا بالاستياء، ساعدوا كل مارتا!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

.