الرئيسية » العمل التطوعي » أعمال تطوعية » العمل التطوعي وبناء النفس الإنسانية

العمل التطوعي وبناء النفس الإنسانية

بينما كانت منظومات التربية الوضعية تعتبر أن هدفها الأعلى هو بناء “المواطن” الصالح، كان الإسلام يسعى إلى بناء ” الإنسان ” الصالح، الذي يتجاوز بصلاحه حدود بلاده، وحتى وإن ابتعد عن تأثير منظومة العقاب القانونية فهو يظل “صالحا” في نفسه وفي أهله ومحيط معارفه، مهما اختلفت النظم والطبائع من حوله.

فالإنسان الصالح يركز نشاطه حول ” العمل الصالح “، الذي يمثل على الحياة والوجود، ” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ” [الملك: 2].

والوصول إلى نموذج “الإنسان الصالح” ليس سهلاً ميسورا؛ بل هو نتاج عملية طويلة من التوجيه والإرشاد واستخدام الآليات المختلفة للبناء السليم، مع اعتبار أهمية المنهج الذي يراعي طبيعة النفس الإنسانية التي امتزجت فيها النفخة العلوية مع القبضة الطينية، ” ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ” [المؤمنون: 12]، ” فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” [الحجر:29].

منهنا كان اعتماد العمل التطوعي، كآلية من آليات تربية النفس الإنسانية، من الأهمية بمكان، وذلك منذ السنوات الأولى من عمر الإنسان .. عملا على تحقيق الأهداف الآتية:

أولاً: تخليص النفس الإنسانية من الشح: فعن جابر ــ رضي الله عنه ــ أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال: ” اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم”. فالشح هو الحرص الشديد على المال وجمعه بشتى الوسائل، وعدم إنفاقه في وجوه الخير، فيظلم الإنسان بهذا التصرف أصحاب الحقوق، ويغبنهم، فيكون من الظالمين. وقد يراد من الشح أشد البخل، الذي يلازم الحريص على المال.

والعمل التطوعي يقي الإنسان من شح المال، وهذا مفهوم من سياق الحديث لأول وهلة، كما أنه يقيه من شحه بوقته في إنفاقه في خدمة الآخرين ومساعدتهم، وهذه لطيفة قد لا يفطن إليها الكثيرون، فالسعي في قضاء حوائج الناس، والتخفيف عنهم، ومداواة آلامهم، يحتاج إلى نفس كريمة بوقتها، وهذا ما يرسخه العمل التطوعي في نفس المشتغل به.

ثانياً: شعور الإنسان بالانتماء إلى محيط يتعدى أسرته الصغيرة إلى مجتمع أكبر يموج بالهموم والمشاغل: لذا حرم الإسلام الرهبانية ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها

عليهم.. الآية. وعثمان بن عفان ــ رضي الله عنه ــ نموذج رائع للتفاعل مع هموم مجتمعه، من خلال أياديه البيضاء، فعندما ضاق مسجد الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ بالمصلين رغّب النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن يشتري أحد أصحابه الأغنياء الأرض المجاورة للمسجد ليضمها إليه، فقال مرغبًا: “من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة؟” فأسرع عثمان واشترى تلك الرقعة من الأرض بخمسة وعشرين ألفًا. وبعد فتح مكة رأى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن يوسع المسجد الحرام، فعرض على أصحاب أحد البيوت الواسعة الملاصقة للمسجد أن يتبرعوا به، فاعتذروا بأنهم لا يملكون سواه، وليس عندهم مؤنة ما يستطيعون بها تشييد بيت غيره، فترامت الأنباء إلى عثمان، فأقبل إليهم واشتراه بعشرة آلاف دينار، وضمه للمسجد الحرام.

وبعد أن هاجر الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ إلى المدينة واجهتهم مشكلة الماء الذي يشربون، وكانت هناك بئر ليهودي تدعى (بئر رومة)، تفيض بالماء العذب،

وكان يبيع ماءها للمسلمين، وفيهم من لا يجد ثمن ذلك، فرغَّب النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن يشتريها أحد من المسلمين، ويجعلها في سبيل الله تفيض

على الناس بغير ثمن، فقال: “من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة؟” فسارع عثمان لتلبية رغبة رسول الله –

صلى الله عليه وسلم -؛ طمعًا فيما عند الله من الثواب العظيم. وفي غزوة تبوك جهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيرًا، وأتم الألف بخمسين فرسًا، وألقى في حجر النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ألف دينار، وجاء بسبعمائة أوقية ذهب صبها بين يدي رسول الله، حتى جعل النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقلب يديه ظهرًا لبطن ويدعو له، ويقول: “غفر الله لك يا عثمان ما أسررت، وما أعلنت، وما أخفيت، وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا”.

ثالثاً: التربية

على شغل الوقت بما هو مفيد: فالوقت هو رأس مال المرء، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:” لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرِهِ، فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وعَنْ شَبَابِهِ، فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ، مِنْ أَيْنَ اكتَسَبه؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ، مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟ وعن ابن عباس —رضي الله عنهما ــ قال: قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ :” نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ “. وعن أنس ــ رضي الله عنه ــ قال: قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل “. فهذه الأحاديث وغيرها تبين أهمية الوقت في حياة الإنسان المسلم. والعمل التطوعي باب عظيم من أبواب استثمار الوقت في مساعدة المحتاجين وإيصال البر إلى المعوزين.

رابعاً: تحقيق السعادة النفسية: قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون َ [النحل: 97].‏ وقال تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 114].‏

فالحياة الطيبة السعيدة جعلها الله جزاء العمل الصالح، والعمل التطوعي من أبواب العمل الصالح العظيمة التي تستجلب مرضاة الرب – سبحانه وتعالى -.

وانظر إلى قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -” -: أتحب أن يلين قلبك، وتُدرِك حاجتك؟ ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطْعِمْه من طعامك يَلِنْ قلبُك، وتُدرِك حاجتك”. [صحيح الجامع]. وفي رواية :””إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم”. [مسند الإمام أحمد ].

كما أن من تمام تحقيق السعادة النفسية مصالحة المرء لذاته عن طريق حسن الخلق واستقامة الطبع، وهنا يبرز دور العمل التطوعي، الذي يساهم في تهذيب أخلاق المتطوع وتحسينها؛ وذلك من خلال مخالطة الناس، ومعايشتهم إبان عمله التطوعي. يقول – صلى الله عليه وسلم -: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”. [صحيح الجامع].

فالعمل التطوعي يتعدى كونه مشاركة بالجسد، أو تبرعاً بالوقت والمال لمن يحتاج ويريد، إلى كونه آلية لبناء النفس الإنسانية وتنشئتها تنشئة سوية مرضية.

وإذا كان الأمر كذلك، أليس من الضروري أن ننتبه إلى تربية أولادنا على قيمة العمل التطوعي منذ نعومة أظافرهم درسا وممارسة؟ أملا في تحقيق مراد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ :”مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. [رواه البخاري ومسلم].

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

.